ابن عجيبة
413
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فانصرف ، ولم يصل عليه . وقيل : صلى عليه ثم نزلت . وفي البخاري : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما تقدم للصلاة عليه جذبه عمر ، فقال : كيف تصلى عليه وقد نهاك ربك عن الصلاة على المنافقين ؟ فقال : « إنّما خيّرنى . . . » الحديث « 1 » . قال البيضاوي : وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ، ونهى عن الصلاة عليه ؛ لأن الضنة بالقميص كانت مخلة بالكرم ، ولأنه كان مكافأة لإلباس العباس قميصه حين أسر ببدر « 2 » ، والمراد من الصلاة : الدعاء للميت والاستغفار له ، وهو ممنوع في حق الكافر ، ولذلك رتب النهى على قوله : ( مات أبدا ) ؛ يعنى : الموت على الكفر ، فإن إحياء الكافرين للتعذيب ، دون التمتع ، فكأنه لم يحيى . ه . واستدل ابن عبد الحكم ، بهذه الآية ، على وجوب الصلاة على المؤمنين ، وقرر اللخمىّ وجه الدليل منها بطريق النهى عن الشيء أمر بضده ؛ لأن ضد النهى عن الصلاة أمر بها . وأبطله المازري قائلا : وإنا هو من دليل الخطاب ، ومفهوم المخالفة ، وبيان عدم صحة كونها من باب النهى عن الشيء ، أنّ شرط ذلك اتحاد متعلق الأمر والنهى ، كقولك لزيد : لا تسكن ، ومعناه تحرك ، ومتعلقهما هنا مختلف ، فمتعلق النهى : المنافقون ، ومتعلق الأمر : المؤمنون . وكذا رد كونها دالة مفهوم المخالفة . انظر الحاشية الفاسية . ثم قال تعالى : وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي : ولا تقف على قبره للدفن ، أو الزيارة ، ثم علل النهى فقال : إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا ، والحال أنهم فاسِقُونَ ؛ خارجون عن دائرة الإسلام . ثم نهى عن الاغترار بمالهم فقال : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ، وقد تقدم ، وإنما كرره ؛ للتأكيد ، وهو حقيق به ، فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد ، والنفوس مجبولة على حبهما ، فكرر النهى عن الاغترار بهما ، ويجوز أن تكون هذه في فريق آخر غير الأول . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الجنائز ، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر ) وتمام الحديث : « إنما خيرني اللّه فقال : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ . . الآية ، وسأزيد على سبعين » فصلى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنزل اللّه عز وجل : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . ( 2 ) أخرج البخاري في ( الجهاد ، باب الكسوة للأسارى ) عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما - قال : ( لما كان يوم بدر أتى بالعباس ، ولم يكن عليه ثوب ، فنظر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له . قميصا ، فوجدوا قميص عبد اللّه بن أبىّ يقدر عليه ، فكساه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياه ، فلذلك نزع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قميصه الذي ألبسه ) .